عبد الله بن محمد البطليوسي

447

الإقتضاب في شرح أدب الكتاب

القول الأول : أن الغرض في ذكر الضمير : أن يربط الخبر بالمخبر عنه ، فلما كان الفتى اسما يراد به جميع النوع ، وكان عسعس بعض الفتيان ، ارتبط بهم ارتباط الجزء بالكل ، فأغنى ذلك عن ذكر الضمير . هذا قول الفارسيّ ، وهو الذي أشار إليه سيبويه . والقول الثاني : أن الفتى هاهنا سد مسدّ الضمير ، وهذا القول هو الذي أشار إليه أبو القاسم الزّجاج ، في قوله في باب « نعم وبئس » وهو في موضع المضمر العائد [ 310 ] على يزيد ، إلا أنه جاء مظهرا . وتلخيص معنى هذا القول : أنّ الاسم الفاعل إذا تقدم على فعله الرافع له ، لزم إضماره فيه ؛ ألا ترى أنك تقول : قام يزيد ، فإذا قدمت زيدا قلت : زيد قام ، فأضمرت في « قام » ضميرا يعود على « زيد » فكذلك كان القياس إذا قلت : زيد نعم الرجل ، أن تضمر في « نعم » ضميرا يرجع على « زيد » ، إلا أنّ الضمير لا يجوز ارتفاعه بنعم ، لأنها لا ترفع إلا ما فيه الألف واللام ، أو ما أضيف إلى ما فيه الألف واللام . فلما لم يجز ذلك ، وضع الظاهر موضع المضمر ، فقيل : زيد نعم الرجل . والقول الثالث : أنّ العائد مقدّر في الجملة ، وحذف اختصارا ، والتقدير : زيد نعم الرجل هو ، وعسعس نعم الفتى هو ، فاستغنى عن ذكر « هو » لأنّ الاسم الأول قد أغنى عن ذكره . والدليل على صحة هذا القول : أنّ حكم نعم أن يظهر بعدها اسمان : أحدهما اسم النوع ، والآخر : المقصود بالمدح ، فإذا ترك ذكر أحدهما ، علم أنه مراد ، وقد جاء حذف المقصود بالمدح ، في نحو قوله سبحانه وتعالى : نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ « 1 » ، وفي نحو قول الشاعر « 2 » : [ من الكامل ] نعم الفتى فجعت به إخوانه * يوم البقيع حوادث الأيّام فإن قيل : ما بالك لم تجعل الهاء في تبيّاه عائدة على عسعس ؟ فالجواب : أنّ الهاء في تبيّاه إنما تعود على الفتى ، لأن تبيّاه في موضع نصب على الحال منه ، وحكم الحال أن يكون فيها ضمير يرجع إلى صاحبها ، فلذلك احتيج إلى ضمير آخر يرجع إلى عسعس بحكم الخبر .

--> ( 1 ) ص : 30 . ( 2 ) البيت لمحمد بن بشير الخارجي في ديوانه 116 ، ومعجم الشعراء 343 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 808 ، والتبريزي 2 / 154 ، وله أو لأبي البلهاء عمير بن عامر في الحماسة البصرية 1 / 244 ، ولأبي البلهاء عمير بن عامر في معجم الشعراء 75 ، ولابن هرمة في البيان والتبيين 1 / 168 ، 2 / 332 ، والعقد الفريد 2 / 315 ، ولابن هرمة أو لمحمد بن بشير الخارجي في ملحق ديوان ابن هرمة ص 241 ، ولأحدهما أو لعمير بن عامر في خزانة الأدب 9 / 402 .